سيد محمد طنطاوي
85
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ففي الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بأنه شاعر أو كاهن . وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن وصفه صلى اللَّه عليه وسلم بأنه * ( رَسُولٍ كَرِيمٍ ) * كاف لنفى الجنون أو الكذب عنه صلى اللَّه عليه وسلم أما وصفه بالشعر والكهانة فلا ينافي عندهم وصفه بأنه كريم ، لأن الشعر والكهانة كان معدودين عندهم من صفات الشرف ، لذا نفى - سبحانه - عنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه شاعر أو كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم . وقوله : * ( تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * تأكيد لكون القرآن من عند اللَّه - تعالى - وأنه ليس بقول شاعر أو كاهن . أي : هذا القرآن ليس كما زعمتم - أيها الكافرون - وإنما هو منزل من رب العالمين ، لا من أحد سواه - عز وجل - . ثم بين - سبحانه - ما يحدث للرسول صلى اللَّه عليه وسلم لو أنه - على سبيل الفرض - غيّر أو بدل شيئا من القرآن فقال : * ( ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ ، لأَخَذْنا مِنْه بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْه الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْه حاجِزِينَ ) * . والتقول : افتراء القول ، ونسبته إلى من لم يقله ، فهو تفعل من القول يدل على التكلف والتصنع والاختلاق . والأقاويل : جمع أقوال ، الذي هو جمع قول ، فهو جمع الجمع . أي : ولو أن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم افترى علينا بعض الأقوال ، أو نسب إلينا قولا لم نقله ، أو لم نأذن له في قوله . . لو أنه فعل شيئا من ذلك على سبيل الفرض . * ( لأَخَذْنا مِنْه بِالْيَمِينِ ) * أي : لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه ، وهو كناية عن إذلاله وإهانته . أو : لأخذناه بالقوة والقدرة ، وعبر عنهما باليمين ، لأن قوة كل شيء في ميامنه . والمقصود بالجملة الكريمة : التهويل من شأن الأخذ ، وأنه أخذ شديد سريع لا يملك معه تصرفا أو هربا . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التهويل ما هو أشد منه في هذا المعنى فقال : * ( ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْه الْوَتِينَ ) * . أي : ثم بعد هذا الأخذ بقوة وسرعة ، لقطعنا وتينه . وهو عرق يتصل بالقلب . متى قطع مات صاحبه .